الفقه التقليد س \ 21066

أم علي عجام
2019-09-13 17:37:30

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... أرجوا مساعدتي في الجواب عن هذا السؤال كي اجيب وادفع به كل من تسول له نفسه ان ينقص من معتقداتنا .السؤال هو لماذا نقلد ؟

الجواب :

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته موضوع التقليد موضوعٌ ثابت وراسخٌ، تدلُّ عليه أدلّة كثيرة توجبه وتجعل عمل المكلَّف من دون تقليد واتّباع لمرجع من مراجع الدّين عملاً باطلاً وغير مقبول. وهذا المعنى ـ أي وجوب التقليد ـ نقوله لمن لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد ولم يقدر على الاحتياط في عباداته ومعاملاته. وقد دلت عليه مجموعة من الادلة منها: الدليل الأول: وجوب التّقليد من القرآن الكريم: قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) فهذه الآية المباركة التي دلّت على وجوب النّفر للتفقّه في الدّين، هذا الوجوب المستفاد من دخول (لولا) التحضيضيّة على الفعل الماضي، فقد أكَّدَ علماء اللُّغة بأنّ (لولا) إذا دخلت على الفعل المضارع أفادت الحضَّ على الفعل والطلب له، وإذا دخلت على الماضي أفادت التّوبيخ واللَّوم على ترك العمل. الدليل الثاني: وجوب التّقليد من الرَّوايات الشرّيفة: الرِّوايات الشّريفة الواردة في جواز التّقليد، بل وجوبه على غير المجتهد والمحتاط ـ كثيرةٌ جداً، نذكر منها: 1: قول الإمام الصّادق (عليه السلام) لأبان بن تغلب: (( اجلسْ في مسجد المدينة وأفتِ النّاس، فإنّي أحبُّ أن أرى في شيعتي مثلك) 2: قول الإمام الرِّضا (عليه السّلام) لعبد العزيز المهتدي عندما سأله: إنّي لا ألقاك في كلِّ وقتٍ، فممّن آخذ معالم ديني؟ فقال (عليه السّلام): ((خُذْ عن يونس بن عبد الرّحمن) 3: قول الرِّضا (عليه السّلام) لعليّ بن المسيّب الهمدانيّ عندما سأله: شقّتي بعيدةٌ، ولستُ أصلُ إليك في كلَّ وقتٍ، فممّن آخذ معالم ديني؟ قال (عليه السّلام): ((من زكريا بن آدم القمّيّ المأمون على الدّين والدُّنيا) الدليل الثالث: وجوب التّقليد يُستفاد من السّيرة العقلائيّة القطعيّة: تُعتبر السّيرة العقلائيّة القطعيّة هي احدى أدلّة الاستنباط للحكم الشرعيّ، وعليها مدار التّعويل في أهم ركن من أركان الاجتهاد، وهو: حجيّة خبر الواحد، فالفقه يعتمد كثيراً على خبر الواحد، ولولا خبر الواحد لاندرست الشريعة وتوقّفت عن التّواصل مع النّاس عبر الأجيال، فليس كلُّ الأحكام الفقهيّة متواترةً أو مقطوعةَ الصُّدور عن أهل البيت (عليهم السلام)، فالمتواترُ قليلٌ جداً في الشريعة ولم يبقَ طريقٌ أمام الناس للأخذ بالأحكام إلّا من خلال خبر الواحد، وقد ثبتت حجيّة خبر الواحد من خلال السّيرة العقلائيّة القطعيّة، أي: من خلال السّيرة الممضاة من زمان المعصومين (عليهم السّلام)؛ حيث كان النّاس يعتمدون في معاملاتهم واتّفاقاتهم على خبر الواحد، ويأخذون به، وكان الأئمّة (عليهم السلام) يلاحظون هذه السّيرة بين النّاس في الأخذ بخبر الواحد، ولم يعترضوا عليها، فعُدَّ هذا السّكوت من المعصومين (عليهم السّلام) إمضاءً لحجيّة خبر الواحد، ويجوز الأخذ به شرعاً، والاعتماد عليه في استنباط الأحكام الشرعيّة. الدليل الرابع: سيرة المتشرِّعة وعلماء الطّائفة قائمةٌ على جواز التّقليد: من الأدلّة التي يمكن الاستناد إليها في المقام هي: سيرة المتشرّعة، وهذه السّيرة لا تحتاج إلى إمضاء المعصوم ـ كالسّيرة العقلائيّة المتقدِّمة ـ، بل هي بنفسها تستبطن رضا المعصوم (عليه السّلام) وموافقته؛ باعتبارها سيرة خاصّة بالمتشرِّعة بما هم متشرّعة، وليس بما هم عقلاء. فقد تقدَّم في بعضِ الرِّوايات: أنَّ الأئمة (عليهم السّلام) أرجعوا شيعتهم إلى العلماء من أصحابهم في أخذ معالم الدّين وفي القضاء، وعلى هذا كانت سيرة أتباع أهل البيت (عليهم السّلام) في الرّجوع إلى أصحاب الأئمّة الثقات وأخذ معالم الدّين عنهم؛ بأمرٍ من الأئمّة (عليهم السّلام) أنفسهم، وقد شهدنا عصرَ الغيبة الصُّغرى ووجدنا الشّيخَ الكلينيّ (قدَّس سرّه) يؤلِّف كتاباً يتضمّن اختيارات فقهيّة واستنباط للأحكام في الجمع بين الرِّوايات المتعارضة وترجيح بعضها على بعض، وهو كتابه المعروف بـ(الكافي)، وكذا وجدنا عليَّ بن بابوبه ـ والد الشّيخ الصّدوق ـ له رساله (الشّرائع) التي كانت مشهورةً بين الأصحاب، وقد نقل الشّيخ الصّدوق ولدُه فقراتٍ منها في كتبه، وهكذا يمتد الأمر إلى زمن الغيبة الكبرى فيؤلَّف الشّيخ الصّدوق ـ المولود بدعاء الحجّة (عجّل الله فرجَه) كما هو المعروف ـ كتاب (الفقيه) و(المقنع) و(الهداية)، ويؤلَّف الشّيخ المفيد كتاب (المقنعة)، ويؤلَّف الشّيخ الطوسيّ كتابَ (النّهاية)، وكلُّها كتبٌ فقهيّة ألّفها أصحابها للنّاس؛ لغرض العمل بها، كما تشير إلى ذلك مقدِّمات هذه الكتب. بل نجد مِن علماء الطّائفة مَن يصرِّح بالإجماع على جواز التّقليد، كالسيّد المرتضى (قُدِّس سرُّه) الذي قال: (لا خلافَ بين الأمّة قديماً وحديثاً في وجوبِ رجوع العاميّ إلى المفتي.. ومَن خالفَ في ذلك كان خارقاً للإجماع) وقال الشّيخ الطوسيُّ: (والذي نذهبُ إليه: أنّه يجوز للعاميّ ـ الّذي لا يقدر على البحث والتّفتيش ـ تقليد العالِم. يدلُّ على ذلك: أنّي وجدتُ عامّةَ الطّائفة من عهد أمير المؤمنين (عليه السَّلام) إلى زماننا هذا يرجعونَ إلى علمائها، ويستفتونهم في الأحكام والعبادات، ويفتونهم العلماءُ فيها. وقال المحقَّق الحليّ (قدِس سرُّه): (اتّفاق علماء الأمصار على الإذنِ للعوام في العمل بفتوى العلماء من غير تناكر، وقد ثبت أنّ إجماع أهل كلِّ عصر حجّة)

التعليقات

لاضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول او انشاء حساب اضفط هنا